أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
452
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
[ سورة التوبة ( 9 ) : الآيات 15 إلى 17 ] وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلى مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ ( 15 ) أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ ( 16 ) ما كانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَساجِدَ اللَّهِ شاهِدِينَ عَلى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولئِكَ حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خالِدُونَ ( 17 ) قوله تعالى : وَيُذْهِبْ : الجمهور على ضم الياء وكسر الهاء من أذهب . و « غَيْظَ » مفعول به . وقرأت طائفة : « ويذهب » بفتح الياء والهاء ، جعله مضارعا لذهب ، « غَيْظَ » مفعول به . وقرأ زيد بن علي كذلك ، إلا أنه رفع الفعل مستأنفا ولم ينسقه على المجزوم قبله ، كما قرأوا : « وَيَتُوبُ » بالرفع عند الجمهور . وقرأ زيد بن علي والأعرج وابن أبي إسحاق وعمرو بن عبيد ، وعمرو بن فائد ، وعيسى الثقفي ، وأبو عمرو - في رواية - ويعقوب : « ويتوب » بالنصب . فأمّا قراءة الجمهور فإنها استئناف إخبار ، وكذلك وقع فإنه قد أسلم ناس كثيرون . قال الزجاج وأبو الفتح : « وهذا أمر موجود سواء قوتلوا أم لم يقاتلوا ، ولا وجه لإدخال التوبة في جواب الشرط الذي في « قاتلوهم » . يعنيان بالشرط ما فهم من الجملة الأمرية . وأمّا قراءة زيد ومن ذكر معه ، فإنّ التوبة تكون داخلة في جواب الأمر من طريق المعنى . وفي توجيه ذلك غموض : فقال بعضهم : إنّه لمّا أمرهم بالمقاتلة شقّ ذلك على بعضهم ، فإذا أقدموا على المقاتلة ، صار ذلك العمل جاريا مجرى التوبة من تلك الكراهة . قلت : فيصير المعنى : إن تقاتلوهم يعذّبهم ويتب عليكم من تلك الكراهة لقتالهم . وقال آخرون في توجيه ذلك : إنّ حصول الظفر وكثرة الأموال لذّة تطلب بطريق حرام ، فلمّا حصلت لهم بطريق حلال ، كان ذلك داعيا لهم إلى التوبة ممّا تقدم ، فصارت التوبة معلقة على المقاتلة . وقال ابن عطية « 1 » في توجيه ذلك أيضا : « يتوجّه ذلك عندي إذا ذهب إلى أن التوبة يراد بها هنا أنّ قتل الكافرين والجهاد في سبيل اللّه هو توبة لكم أيّها المؤمنون وكمال لإيمانكم ، فتدخل التوبة على هذا في شرط القتال » . قال الشيخ : « وهذا الذي قدّره من كون التوبة تدخل تحت جواب الأمر ، هو بالنسبة للمؤمنين الذين أمروا بقتال الكفار . والذي يظهر أنّ ذلك بالنسبة إلى الكفار ، والمعنى : على من يشاء من الكفار ، لأنّ قتال الكفار وغلبة المسلمين إياهم ، قد يكون سببا لإسلام كثير . ألا ترى إلى فتح مكة كيف أسلم لأجله ناس كثيرون ، وحسن إسلام بعضهم جدا ، كابن أبي سرح وغيره » قلت : فيكون هذا توجيها رابعا ، ويصير المعنى : إن تقاتلوهم يتب اللّه على من يشاء من الكفار أي : يسلم من شاء منهم . قوله تعالى : وَلَمْ يَتَّخِذُوا يجوز في هذه الجملة وجهان : أحدهما : أنّها داخلة في حيّز الصلة لعطفها عليها أي : الذين جاهدوا ولم يتّخذوا .
--> ( 1 ) انظر البحر المحيط ( 5 / 17 ) .